وفاة أمنا السيدة خديجة بالنسبة إلى الهجرة: تعدد الأقوال
يرتبط اسم أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها بالتجارة في كتب السيرة، وأوضح ما يتصل بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم خبر خروجه إلى الشام في مال لها قبل الزواج. أما من جهة التسلسل التاريخي، تربط كتب السيرة بين رحلة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام في تجارة أمنا السيدة خديجة وبين زواجهما بعد الرجوع. تذكر كتب السيرة أنه كان مرتبطًا بمال أمنا السيدة خديجة وأنه رافق النبي في الرحلة، ثم نقل لها مشاهد أو أقوالًا رأى فيها علامات خاصة. ويتصل بذلك أن تربط بعض كتب السيرة بين ما عُرف عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من الأمانة والصدق وبين رغبة أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها في الزواج منه.
ومن جهة أخرى، تتفق كتب السيرة التي بين أيدينا على أن زواج أمنا السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها برسول الله صلى الله عليه وسلم وقع قبل البعثة، وأنه كان أول زواجه صلى الله عليه وسلم. اشتهر أن أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها كانت في الأربعين عند زواجها بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر ابن قنفذ هذا القول. لذلك لا يصح تقديم الأربعين بوصفه رقمًا لا خلاف فيه. ويتصل بذلك أن استمر زواج أمنا السيدة خديجة بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من قبل البعثة حتى وفاتها في مكة قبل الهجرة. تظهر في كتب السيرة ضمن البنات الأربع اللاتي أدركن الإسلام، وترتبط سيرتها لاحقًا بسيدنا عثمان بن عفان والهجرة.
فإذا اعتمد الباحث الأربعين، نتجت أعمار معينة عند ولادة الأبناء والوفاة؛ وإذا اعتمد رواية أصغر تغيرت الحسابات كلها. ولا يكفي شيوع رقم الأربعين في الكتب المتأخرة للحسم. لذلك الأفضل عرض المراحل: سنوات قبل النبوة، ثم سنوات الدعوة المكية، ثم الوفاة قبل الهجرة. ويورد محب الدين الطبري القاسم وعبد الله وتسميتي الطيب والطاهر، ثم البنات الأربع، مع تنبيه إلى اختلاف ترتيب بعضهم. الثابت الأقوى هو أمومتها للبنات الأربع والقاسم، وأن إبراهيم ليس منها. وتفيد هذه المادة في فهم مركزية أمنا السيدة خديجة في النسب النبوي؛ فالبنات الأربع منها، ومن سيدتنا فاطمة استمر النسب النبوي المعروف. بعد البعثة تصبح سيرة زينب وأبي العاص بابًا مستقلًا، ولا ينبغي إغراق هذا العرض بأحداث بدر والهجرة إلا بقدر اتصالها بأمها التي كانت قد توفيت قبل الهجرة.
ويتصل بذلك أن عاشت أمنا السيدة خديجة سنوات المعارضة المكية بعد البعثة حتى وفاتها قبل الهجرة. وفي امتداد هذه الصورة، يذكر ابن الملقن أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت قبل الهجرة بثلاث سنين. وينقل ابن جماعة إلى جانب الثلاث أقوالًا بأربع أو خمس سنوات. وفي جانب آخر من الرواية، تذكر بعض المصادر أن أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها توفيت وهي في الخامسة والستين، لكن هذا العمر مرتبط بالرواية التي تجعل سنها عند الزواج أربعين تقريبًا. ويُضاف إلى ذلك أن المتفق عليه في السيرة أن أمنا السيدة خديجة توفيت في مكة قبل الهجرة. ويتصل بذلك أن تتراوح الروايات المفحوصة في سن أمنا السيدة خديجة عند الزواج، وأبرز ما ظهر منها الأربعون والثمان والعشرون.
ويُضاف إلى ذلك أن التاريخ بالشهر أدق من عبارة «قبل الهجرة بثلاث سنين»، ولذلك يتطلب دليلًا أقوى. تقول عائشة في بعض الروايات إن النبي تزوجها بعد خديجة بثلاث سنين، بينما تعرض كتب السيرة تفاصيل العقد والبناء في مكة والمدينة. في بعضها تذكر عائشة البشارة بالبيت في الجنة، وفي بعضها تقول إن النبي تزوجها بعد خديجة بثلاث سنين. فإذا قال مصدر «قبل الهجرة بثلاث سنين» وآخر «بخمس»، يبقيهما السجل منفصلين.
حدود المادة: هذا التفريع مستقل بموضوعه، لكنه لا يحول الإشارة المصدرية القصيرة إلى سرد موسع من عند المحرر. تُحفظ في هذا المحور ألفاظ الثبوت والخلاف كما هي، ويُترك ما يحتاج إلى استرداد أصل حديثي أو سيري أو مقارنة أوسع في درجة «قيد الاستكمال» بدل الجزم به.
المصادر داخل الماستر
- محب الدين الطبري، خلاصة سير سيد البشر.
- ابن قنفذ، وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام.
- ابن الملقن، غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم.
- عز الدين ابن جماعة، الغرر والدرر في سيرة خير البشر.






















