شعار النور موقع النورنسير بنور النور
⌕العربيةالفرنسيةالإنجليزية
AlnourWalking by the light
Al Nour / Muhammad ﷺ
Article

مقام الرسول في القرآن: الشهادة والتكريم والرحمة وعلو المنزلة

المصدر الرئيس: القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى.

يفتح القاضي عياض كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» من الباب الذي يراه أصلًا لفهم الرسالة كلها: كيف عرّف الوحيُ الأمةَ برسولها، وكيف صاغ القرآن منزلة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال وظائف الرسالة نفسها ومن خلال وجوه التكريم الإلهي التي تحيط بها. فليست الشهادة والتبشير والإنذار والدعوة إلى الله أوصافًا متجاورة يمكن فصل بعضها عن بعض، بل هي بناء واحد تتضح فيه مسؤولية الرسول، وغاية بعثته، وموقعه من الأمة، وموقع الأمة من الناس. ثم تتسع الصورة في آيات الملاطفة والتثبيت والشفقة والقسم ورفع الذكر، فتظهر الرسالة في القرآن عملًا عظيمًا محاطًا بالعناية، لا تكليفًا مجردًا من الرحمة. وتنبع أهمية هذه المادة من أن القاضي عياض لا يكتفي بذكر الفضائل على طريقة التعداد، وإنما يجمع الآيات والأخبار وأقوال أهل التفسير في سياق تتساند فيه الدلالات: الرسول شاهد لأنه بلغ، ومبشر ومنذر لأنه يحمل للناس خبر المصير، وداع إلى الله لأنه يخرجهم من العبودية لما سواه، وسراج منير لأن الهداية تتجسد في البيان الذي جاء به وفي الهدي الذي عاشه. ومن هنا تبدأ هذه المقالة من النص القرآني نفسه، وتتابع كيف تتشكل صورة مقام الرسالة عبر الشهادة، والرحمة، والتثبيت، والتكريم، وعلو المنزلة، ثم كيف تتحول تلك المعاني من ثناء على الرسول إلى أصول لفهم طبيعة رسالته وعلاقتها بالإنسان.

وصفه - تعالى - له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء ، والكرامة

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «وصفه - تعالى - له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء ، والكرامة». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

وصفه - تعالى - له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء ، والكرامة قال - تعالى - : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا \[ الأحزاب : 45 \] الآية . جمع الله - تعالى - في هذه الآية ضروبا من رتب الأثرة ، وجملة أوصاف من المدحة فجعله شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة ، وهي من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - ، ومبشرا لأهل طاعته ، ونذيرا لأهل معصيته ، وداعيا إلى توحيده ، وعبادته ، وسراجا منيرا يهتدى به للحق . \[ حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب أبو القاسم حاتم بن محمد أبو الحسن القابسي أبو زيد المروزي أبو عبد الله محمد بن يوسف البخاري محمد بن سنان فليح هلال بن \] عطاء بن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا \[ الأحزاب : 45 \] ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وذكر مثله عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، وفي بعض طرقه عن : ولا صخب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق ، والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغني به بعد العلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب مختلفة ، وأهواء متشتتة ، وأمم متفرقة ، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس . أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفته في التوراة : &; عبدي أحمد المختار ، مولده بمكة ، ومهاجره بالمدينة ، أو قال : طيبة أمته الحمادون لله على كل حال . وقال - تعالى - الذين يتبعون الرسول النبي الأمي \[ الأعراف : 157 \] الآية . وقد قال - تعالى - : فبما رحمة من الله لنت لهم \[ آل عمران : 159 \] الآية . قال : ذكرهم الله تعالى منته أنه جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيما بالمؤمنين ، رءوفا لين الجانب ، ولو كان فظا خشنا في القول لتفرقوا من حوله ، ولكن جعله الله - تعالى - سمحا ، سهلا طلقا برا لطيفا . هكذا قاله الضحاك وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا \[ البقرة : 143 \] الآية . : أبان الله - تعالى - فضل نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وفضل أمته بهذه الآية ، وفي قوله في الآية الأخرى : وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس \[ الحج : 78 \] الآية . وكذلك قوله - تعالى - : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد \[ النساء : 41 \] الآية . وقوله - تعالى - : وسطا : أي عدلا خيارا . ومعنى هذه الآية : وكما هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا ، لتشهدوا للأنبياء - عليهم السلام - على أممهم ، ويشهد لكم الرسول بالصدق . وقيل : إن الله - جل جلاله - إذا سأل الأنبياء : هل بلغتم ؟ . فيقولون : نعم . فتقول أممهم : ما جاءنا من بشير ، ولا نذير ، فتشهد أمة - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء ، ويزكيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : معنى الآية : إنكم حجة على كل من خالفكم ، والرسول حجة عليكم . حكاه وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم \[ يونس : 2 \] الآية . وزيد بن أسلم : قدم صدق : هو - صلى الله عليه وسلم - ، يشفع لهم . أيضا : هي مصيبتهم بنبيهم . وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : هي شفاعة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، هو شفيع صدق عند ربهم . سهل بن عبد الله التستري : هي سابقة رحمة أودعها الله في - صلى الله عليه وسلم - . وقال محمد بن علي الترمذي : هو إمام الصادقين ، والصديقين ، الشفيع المطاع ، والسائل المجاب - صلى الله عليه وسلم - ، حكاه عنه السلمي .

الْفَصْلُ الثَّانِي ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْحَسَنُ

فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة ، والمبرة

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة ، والمبرة». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة ، والمبرة من ذلك قوله - تعالى - : عفا الله عنك لم أذنت لهم \[ التوبة : 43 \] . قال أبو محمد مكي : قيل هذا افتتاح كلام بمنزلة : أصلحك الله ، وأعزك الله . عون بن عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب . حكى عن بعضهم أن معناه : عافاك الله يا سليم القلب لم أذنت لهم ؟ . قال : ولو بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله ، لم أذنت لهم \[ التوبة : 43 \] لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام ، لكن الله - تعالى - برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ، ثم قال له : لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب . وفي هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب . ومن إكرامه إياه وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب . قال نفطويه : ذهب ناس إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - معاتب بهذه الآية ، وحاشاه من ذلك ، بل كان مخيرا فلما أذن لهم أعلمه الله - تعالى - أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم ، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم . قال الفقيه القاضي - وفقه الله - يجب على المسلم المجاهد نفسه ، الرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بأدب القرآن في قوله وفعله ، ومعاطاته ، ومحاوراته ، فهو عنصر المعارف الحقيقية ، وروضة الآداب الدينية ، والدنيوية ، وليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب ، المنعم على الكل ، المستغني عن الجميع ، ويستشير ما فيها من الفوائد ، وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب ، وآنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب . وقال - تعالى - : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا \[ الإسراء : 74 \] الآية . قال بعض المتكلمين : عاتب الله - تعالى - الأنبياء - عليهم السلام - بعد الزلات ، وعاتب نبينا - صلى الله عليه وسلم - قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتهاء ، ومحافظة لشرائط المحبة ، وهذه غاية العناية . ثم انظر كيف بدأ بثباته ، وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه ، وخيف أن يركن إليه ، ففي أثناء عتبه براءته ، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته . ومثله قوله - تعالى - : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك \[ الأنعام : 33 \] الآية . - رضي الله عنه - : قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله - تعالى - : فإنهم لا يكذبونك وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كذبه قومه حزن ، فجاءه جبريل - عليه السلام - فقال : ما يحزنك ؟ قال : كذبني قومي ! فقال : إنهم يعلمون أنك صادق ، فأنزل الله - تعالى - الآية . ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ ، من تسليته - تعالى - له - صلى الله عليه وسلم - ، وإلطافه في القول ، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم ، وأنهم غير مكذبين له ، معترفون بصدقه قولا ، واعتقادا ، وقد كانوا يسمونه قبل النبوة الأمين ، فدفع بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب ، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين ، فقال - تعالى - : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون \[ الأنعام : 33 \] الآية . وحاشاه من الوصم ، وطرقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم ، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره ، كقوله - تعالى - : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا \[ النمل : 14 \] . ثم عزاه ، وآنسه بما ذكره عمن قبله ، ووعده النصر بقوله - تعالى - : ولقد كذبت رسل من قبلك \[ الأنعام : 34 \] الآية . فمن قرأ لا يكذبونك بالتخفيف ، فمعناه : لا يجدونك كاذبا . وقال الفراء والكسائي لا يقولون إنك كاذب ، وقيل : لا يحتجون على كذبك ، ولا يثبتونه . ومن قرأ بالتشديد فمعناه : لا ينسبونك إلى الكذب ، وقيل : لا يعتقدون كذبك . ومما ذكر من خصائصه ، وبر الله - تعالى - به أن الله - تعالى - خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم ، فقال - تعالى - : يا ، يا نوح داود زكريا يحيى ولم يخاطب هو إلا : يا أيها الرسول ، يا أيها النبي ، يا أيها المزمل ، يا أيها المدثر . الْفَصْلُ الثَّالِثُ آدَمُ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • النور في الأسماء المحمدية • المهيمن في الأسماء المحمدية • الجبار في الأسماء المحمدية

في قسمه - تعالى - بعظيم قدره

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «في قسمه - تعالى - بعظيم قدره». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

في قسمه - تعالى - بعظيم قدره لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون \[ الحجر : 72 \] الآية . اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله - جل جلاله - بمدة حياة - صلى الله عليه وسلم - ، وأصله ضم العين ، من العمر ، ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال ، ومعناه : وبقائك يا ، وقيل : وعيشك ، وقيل : وحياتك ، وهذه نهاية التعظيم ، وغاية البر ، والتشريف . - رضي الله عنهما - : ما خلق الله - تعالى - ، وما ذرأ ، وما برأ نفسا أكرم عليه من - صلى الله عليه وسلم - ، وما سمعت الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره . أبو الجوزاء ما أقسم الله - تعالى - بحياة أحد غير - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه أكرم البرية عنده . يس والقرآن الحكيم \[ يس : 1 - 2 \] الآيتين . اختلف المفسرون في معنى يس على أقوال : فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لي عند ربي عشرة أسماء ذكر منها : &; طه &; ، و &; يس &; اسمان له أبو عبد الرحمن السلمي جعفر الصادق أنه أراد : يا سيد ، مخاطبة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - . وعن : يس يا إنسان أراد - صلى الله عليه وسلم - . وقال : هو قسم ، وهو من أسماء الله - تعالى - . الزجاج : قيل معناه : يا ، وقيل : يا رجل ، وقيل : يا إنسان . وعن ابن الحنفية : يس : يا كعب : يس : قسم أقسم الله - تعالى - به قبل أن يخلق السماء ، والأرض بألفي عام : يا إنك لمن المرسلين . ثم قال : إنك لمن المرسلين \[ يس : 2 - 3 \] . فإن قدر أنه من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - ، وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم ، ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه ، وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته ، والشهادة بهدايته : أقسم الله - تعالى - باسمه ، وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده ، وعلى صراط مستقيم من إيمانه أي طريق لا اعوجاج فيه ، ولا عدول عن الحق . النقاش : لم يقسم الله - تعالى - لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له ، وفيه من تعظيمه ، وتمجيده على تأويل من قال : إنه يا سيد ما فيه . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر وقال الله - تعالى - : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد \[ البلد 1 : 2 \] . قيل : لا أقسم به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه ، حكاه مكي . وقيل : \[ لا \] زائدة ، أي أقسم به ، وأنت به يا حال . أو حل لك ما فعلت فيه على التفسيرين . والمراد بالبلد عند هؤلاء الواسطي : أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ، وببركتك ميتا يعني المدينة ، والأول أصح ، لأن السورة مكية ، وما بعده يصححه : قوله - تعالى - : حل بهذا البلد \[ البلد : 2 \] . ونحوه قول تفسير قوله - تعالى - : وهذا البلد الأمين \[ التين : 3 \] قال : أمنها الله - تعالى - بمقامه فيها ، وكونه بها ، فإن كونه أمان حيث كان . ثم قال : ووالد وما ولد \[ البلد : 3 \] ، ومن قال : أراد فهو عام ، ومن قال : هو ، وما ولد إن شاء الله تعالى إشارة إلى - صلى الله عليه وسلم - ، فتتضمن السورة القسم به - صلى الله عليه وسلم - في موضعين . الم ذلك الكتاب لا ريب فيه \[ البقرة : 1 2 \] . : هذه الحروف أقسام أقسم الله - تعالى - بها . وعنه ، وعن غيره فيها غير ذلك . سهل بن عبد الله التستري : الألف هو الله - تعالى - . واللام ، والميم وحكى هذا القول ، ولم ينسبه إلى سهل ، وجعل معناه : الله أنزل على بهذا القرآن لا ريب فيه ، وعلى الوجه الأول يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه ، ثم فيه من فضيلة قران اسمه باسمه نحو ما تقدم . قوله - تعالى - : ق والقرآن المجيد \[ ق : 1 \] أقسم بقوة قلب حبيبه - صلى الله عليه وسلم - حيث حمل الخطاب ، والمشاهدة ، ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله ، وقيل : هو اسم للقرآن وقيل : هو اسم لله - تعالى - ، وقيل : جبل محيط بالأرض ، وقيل غير هذا . تفسير : والنجم إذا هوى \[ النجم : 1 \] : إنه - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : النجم قلب - صلى الله عليه وسلم - ، هوى انشرح من الأنوار ، وقال : انقطع عن غير الله . والفجر وليال عشر \[ الفجر : 1 - 2 \] الفجر : - صلى الله عليه وسلم - ، لأن منه تفجر الإيمان . الْفَصْلُ الرَّابِعُ ابْنِ عَطَاءٍ

جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • النور في الأسماء المحمدية • المهيمن في الأسماء المحمدية • الجبار في الأسماء المحمدية

الفصل الخامس في قسمه - تعالى - جده له ، لتحقق مكانته عنده

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الخامس في قسمه - تعالى - جده له ، لتحقق مكانته عنده». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

قال جل اسمه : والضحى والليل إذا سجى \[ الضحى 1 : 2 \] السورة . اختلف في سبب نزول هذه السورة ، فقيل : كان ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قيام الليل لعذر نزل به ، فتكلمت امرأة في ذلك بكلام ، وقيل : بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي ، فنزلت السورة . قال الفقيه القاضي وفقه الله تعالى : تضمنت من كرامة الله تعالى له ، وتنويهه به ، وتعظيمه إياه ستة وجوه : الأول : القسم له عما أخبره به من حاله بقوله - تعالى - : \[ الضحى : 1 - 2 \] . أي : ورب الضحى ، وهذا من أعظم درجات المبرة . الثاني : بيان مكانته عنده ، وحظوته لديه بقوله - تعالى - : ما ودعك ربك وما قلى \[ الضحى : 3 \] ، أي ما تركك ، وما أبغضك ، وقيل : ما أهملك بعد أن اصطفاك . الثالث : قوله - تعالى - : وللآخرة خير لك من الأولى \[ الضحى : 4 \] ، قال : أي مآلك في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا . وقال سهل : أي ادخرت لك من الشفاعة ، والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا . الرابع : ولسوف يعطيك ربك فترضى \[ الضحى : 5 \] ، وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة ، وأنواع السعادة ، وشتات الإنعام في الدارين ، والزيادة . : يرضيه بالفلج في الدنيا ، والثواب في الآخرة ، وقيل : يعطيه الحوض ، والشفاعة . وروي عن بعض آل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ليس آية في القرآن أرجى منها ، ولا يرضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل أحد من أمته النار . الخامس : ما عدده - تعالى - عليه من نعمه ، وقرره من آلائه قبله في بقية السورة ، من هدايته إلى ما هداه له ، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير ، ولا مال له ، فأغناه بما آتاه ، أو بما جعله في قلبه من القناعة ، والغنى ، ويتيما فحدب عليه عمه ، وآواه إليه ، وقيل : آواه إلى الله ، وقيل : يتيما : لا مثال لك ، فآواك إليه ، وقيل : المعنى : ألم يجدك فهدى بك ضالا ، وأغنى بك عائلا ، وآوى بك يتيما ؟ ذكره بهذه المنن ، وأنه على المعلوم من التفسير لم يهمله في حال صغره ، وعيلته ، ويتمه ، وقبل معرفته به ، ولا ودعه ، ولا قلاه ، فكيف بعد اختصاصه ، واصطفائه ؟ ! السادس : أمره بإظهار نعمته عليه ، وشكر ما شرفه بنشره ، وإشادة ذكره بقوله - تعالى - : وأما بنعمة ربك فحدث \[ الضحى : 11 \] ، فإن من شكر النعمة التحدث بها ، وهذا خاص له ، عام لأمته ، وقال - تعالى - : والنجم إذا هوى \[ النجم : 1 \] إلى قوله تعالى : لقد رأى من آيات ربه الكبرى \[ النجم : 18 \] . اختلف المفسرون في قوله - تعالى - : والنجم بأقاويل معروفة ، منها النجم على ظاهره ، ومنها القرآن . أنه - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : هو قلب - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قيل في قوله - تعالى - : والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب \[ الطارق : 1 : 3 \] إن النجم هنا أيضا - صلى الله عليه وسلم - ، حكاه السلمي . تضمنت هذه الآيات من فضله ، وشرفه العد ما يقف دونه العد ، وأقسم جل اسمه على هداية المصطفى ، وتنزيهه عن الهوى ، وصدقه فيما تلا ، وأنه وحي يوحى أوصله إليه عن الله ، وهو الشديد القوى . ثم أخبر - تعالى - عن فضيلته بقصة الإسراء ، وانتهائه إلى سدرة المنتهى ، وتصديق بصره فيما رأى ، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى ، وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء ، ولما كان ما كاشفه به - صلى الله عليه وسلم - من ذلك الجبروت ، وشاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ، ولا تستقل بحمل سماع أدناه العقول رمز عنه - تعالى - بالإيماء ، والكناية الدالة على التعظيم ، فقال - تعالى - : فأوحى إلى عبده ما أوحى \[ النجم 10 \] . وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي ، والإشارة ، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز ، وقال : \[ النجم : 18 \] انحسرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى ، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى . : اشتملت هذه الآيات على إعلام الله - تعالى - بتزكية جملته - صلى الله عليه وسلم - ، وعصمتها من الآفات في هذا المسرى ، فزكى فؤاده ، ولسانه وجوارحه : فقلبه بقوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى ولسانه بقوله : وما ينطق عن الهوى \[ النجم : 3 \] . وبصره بقوله : ما زاغ البصر وما طغى

\[ النجم : 17 \] . وقال - تعالى - : فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس \[ التكوير : 15 : 16 \] - إلى قوله - : وما هو بقول شيطان رجيم \[ التكوير : 25 \] . لا أقسم : أي أقسم . إنه لقول رسول كريم ، أي كريم عند مرسله . ذي قوة على تبليغ ما حمله من الوحي ، مكين : أي متمكن المنزلة من ربه ، رفيع المحل عنده ، مطاع ثم : أي في السماء . أمين على الوحي . قال علي بن عيسى ، وغيره : الرسول الكريم هنا - صلى الله عليه وسلم - ، فجميع الأوصاف بعد على هذا له . وقال غيره : هو ، فترجع الأوصاف إليه . ولقد رآه يعني - صلى الله عليه وسلم - . قيل : رأى ربه ، وقيل : رأى في صورته ، ( وما هو على الغيب بظنين ) ، أي : بمتهم ، ومن قرأها بالضاد فمعناه : ما هو ببخيل بالدعاء به ، والتذكير بحكمه ، وبعلمه ، وهذه - صلى الله عليه وسلم - باتفاق ، وقال - تعالى - : ن والقلم \[ القلم : 1 \] الآيات . أقسم الله - تعالى - بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى مما غمصته الكفرة به ، وتكذيبهم له ، وأنسه ، وبسط أمله بقوله محسنا خطابه : ما أنت بنعمة ربك بمجنون \[ القلم : 2 \] ، وهذه نهاية المبرة في المخاطبة ، وأعلى درجات الآداب في المحاورة ، ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم ، وثواب غير منقطع ، لا يأخذه عد ، ولا يمن به عليه ، فقال - تعالى - وإن لك لأجرا غير ممنون . ثم أثنى عليه بما منحه من هباته ، وهداه إليه ، وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفي التوكيد ، فقال - تعالى - : وإنك لعلى خلق عظيم \[ القلم : 4 \] قيل : القرآن وقيل : الإسلام ، وقيل : الطبع الكريم ، وقيل : ليس لك همة إلا الله . الواسطي : أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه ، وفضله بذلك على غيره ، لأنه جبله على ذلك الخلق ، فسبحان اللطيف الكريم ، المحسن الجواد ، الحميد الذي يسر للخير ، وهدى إليه ، ثم أثنى على فاعله ، وجازاه عليه - سبحانه - ، ما أغمر نواله ، وأوسع إفضاله ، ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من عقابهم ، وتوعدهم بقوله : فستبصر ويبصرون \[ القلم : 5 \] . ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه ، وذكره سوء خلقه ، وعد معايبه ، متوليا ذلك بفضله ، ومنتصرا لنبيه ، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله : فلا تطع المكذبين \[ القلم : 8 \] - إلى قوله - : أساطير الأولين \[ القلم : 15 \] ثم ختم ذلك بالوعد الصادق بتمام شقائه ، وخاتمة بواره بقوله : سنسمه على الخرطوم \[ القلم : 16 \] . فكانت نصرة الله تعالى له أتم من نصرته لنفسه ، ورده - تعالى - على عدوه أبلغ من رده ، وأثبت في ديوان مجده . الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي قَسْمِهِ - تَعَالَى - جَدَّهُ لَهُ ، لِتَحَقُّقِ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الملك والعبودية • التكبر بالله وموضع الحمد • النور في الأسماء المحمدية

الفصل السادس فيما ورد من قوله - تعالى - : في جهته - صلى الله عليه وسلم - مورد الشفقة ، والإكرام

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل السادس فيما ورد من قوله - تعالى - : في جهته - صلى الله عليه وسلم - مورد الشفقة ، والإكرام». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

قال - تعالى - : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى \[ طه 1 - 2 \] قيل : طه : اسم من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : هو اسم الله ، وقيل : معناه يا رجل . وقيل : يا إنسان وقيل : هي حروف مقطعة لمعان . الواسطي : أراد يا طاهر ، يا هادي ، وقيل : هو أمر من الوطء ، والهاء كناية عن الأرض ، أي اعتمد على الأرض بقدميك ، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحد ، وهو قوله - تعالى - : \[ طه : 2 \] . نزلت الآية فيما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكلفه من السهر ، والتعب ، وقيام الليل . أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغير واحد ، عن القاضي أبي الوليد الباجي إجازة ، ومن أصله نقلت قال : حدثنا أبو ذر الحافظ أبو محمد الحموي إبراهيم بن خزيم الشاشي عبد بن حميد هاشم بن القاسم أبي جعفر الربيع بن أنس ، قال : \[ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام على رجل ، ورفع الأخرى ، فأنزل الله - تعالى - : طه \[ طه : 1 \] يعني طأ الأرض يا \[ طه : 2 \] ، ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام ، وحسن المعاملة ، وإن جعلنا طه من أسمائه - صلى الله عليه وسلم - كما قيل ، أو جعلت قسما لحق الفصل بما قبله ، ومثل هذا من نمط الشفقة ، والمبرة قوله - تعالى - : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا \[ الكهف : 6 \] ، أي قاتل نفسك لذلك غضبا أو غيظا ، أو جزعا ، ومثله قوله - تعالى - : أيضا : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين \[ الشعراء : 3 \] ، ثم قال تعالى : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين \[ الشعراء : 4 \] ، ومن هذا الباب قوله - تعالى - : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين \[ الحجر : 94 \] إلى قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون \[ الحجر : 97 \] إلى آخر السورة ، وقوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك \[ الأنعام : 10 \] . قال مكي : سلاه بما ذكر ، وهون عليه ما يلقى من المشركين ، وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله ، ومثل هذه التسلية قوله - تعالى - : وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك \[ فاطر : 4 \] ، ومن هذا قوله - تعالى - : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون \[ الذاريات : 52 \] . عزاه الله - تعالى - بما أخبر به عن الأمم السالفة ، ومقالتها لأنبيائهم قبله ، ومحنتهم بهم ، وسلاه بذلك من محنته بمثله من كفار مكة ، وأنه ليس أول من لقي ذلك ، ثم طيب نفسه ، وأبان عذره بقوله - تعالى - : فتول عنهم \[ الذاريات : 54 \] ، أي أعرض عنهم ، فما أنت بملوم \[ الذاريات : 54 \] ، أي في أداء ما بلغت ، وإبلاغ ما حملت ، ومثله واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا \[ الطور : 48 \] ، أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك ، ونحفظك . سلاه الله - تعالى - بهذا في آي كثيرة من هذا المعنى . الْفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : فِي جِهَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْرِدَ الشَّفَقَةِ ، وَالْإِكْرَامِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الرؤوف والرحيم • الجبار في الأسماء المحمدية • الغفار

الفصل السابع فيما أخبر الله - تعالى - به في كتابه العزيز من عظيم قدره ، وشريف منزلته على الأنبياء ، وحظوة رتبته عليهم

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل السابع فيما أخبر الله - تعالى - به في كتابه العزيز من عظيم قدره ، وشريف منزلته على الأنبياء ، وحظوة رتبته عليهم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة \[ آل عمران : 81 \] . - إلى قوله - : من الشاهدين \[ آل عمران : 81 \] قال أبو الحسن القابسي استخص الله - تعالى - - صلى الله عليه وسلم - بفضل لم يؤته غيره ، أبانه به ، وهو ما ذكره في هذه الآية ، قال المفسرون : أخذ الله الميثاق بالوحي ، فلم يبعث نبيا إلا ذكر له ، ونعته ، وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به ، وقيل : أن يبينه لقومه ، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم ، وقوله : ثم جاءكم : الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين - صلى الله عليه وسلم - . قال - رضي الله عنه - : لم يبعث الله نبيا من فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في - صلى الله عليه وسلم - : لئن بعث ، وهو حي ليؤمنن به ، ولينصرنه ، ويأخذ العهد بذلك على قومه ، ونحوه عن السدي وقتادة في آي تضمنت فضله من غير وجه واحد . قال الله - تعالى - : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح \[ الأحزاب : 7 \] الآية ، وقال - تعالى - : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح إلى قوله تعالى : شهيدا \[ النساء : 163 \] . روي - رضي الله عنه - أنه قال في كلام بكى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال بأبي أنت ، وأمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء ، وذكرك في أولهم ، فقال : \[ الأحزاب : 7 \] الآية . بأبي أنت ، وأمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك ، وهم بين أطباقها يعذبون يقولون : ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كنت أول الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث . فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح ، وغيره . : في هذا تفضيل نبينا - صلى الله عليه وسلم - لتخصيصه بالذكر قبلهم ، وهو آخرهم . المعنى : أخذ الله - تعالى - عليهم الميثاق ، إذ أخرجهم من ظهر كالذر ، وقال - تعالى - : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض \[ البقرة : 253 \] الآية . قال أهل التفسير : أراد بقوله : ورفع بعضهم درجات - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه بعث إلى الأحمر ، والأسود وأحلت له الغنائم ، وظهرت على يديه المعجزات ، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطي - صلى الله عليه وسلم - مثلها . قال بعضهم : ومن فضله أن الله - تعالى - خاطب الأنبياء بأسمائهم ، وخاطبه بالنبوة ، والرسالة في كتابه ، فقال : ياأيها النبي اتق \[ الأحزاب : 1 \] و ياأيها الرسول \[ المائدة : 67 \] ، وحكى الكلبي وإن من شيعته لإبراهيم \[ الصافات : 83 \] إن الهاء عائدة على - صلى الله عليه وسلم - ، أي إن من شيعة لإبراهيم ، أي على دينه ، ومنهاجه ، وأجازه الفراء ، وحكاه عنه مكي ، وقيل : المراد - عليه السلام - . الْفَصْلُ السَّابِعُ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ ، وَشَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَحُظْوَةِ رُتْبَتِهِ عَلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • المؤمن وأمان العالم • الجبار في الأسماء المحمدية • اسم الله في هذا الباب

الفصل الثامن في إعلام الله - تعالى - خلقه بصلاته عليه ، وولايته له ، ورفعه العذاب بسببه

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل الثامن في إعلام الله - تعالى - خلقه بصلاته عليه ، وولايته له ، ورفعه العذاب بسببه». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

قال - تعالى - : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم \[ الأنفال : 33 \] ، أي ما كنت ، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من ، وبقي من المؤمنين نزل : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون \[ الأنفال : 33 \] ، وهذا مثل قوله : لو تزيلوا لعذبنا \[ الفتح : 25 \] الآية . فلما هاجر المؤمنون نزلت : وما لهم ألا يعذبهم الله \[ الأنفال : 34 \] وهذا من أبين ما يظهر مكانته - صلى الله عليه وسلم - ، ودرأته العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ثم كون أصحابه بعده بين أظهرهم فلما خلت منهم عذبهم الله بتسليط المؤمنين عليهم ، وغلبتهم إياهم ، وحكم فيهم سيوفهم ، وأورثهم أرضهم ، وديارهم ، وفي الآية أيضا تأويل آخر . القاضي الشهيد أبو علي - رحمه الله - بقراءتي عليه ، قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون وأبو الحسين والصيرفي أبو يعلى ابن زوج الحرة أبو علي السنجي محمد بن محبوب المروزي أبو عيسى الحافظ سفيان بن وكيع ابن نمير إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عباد بن يوسف أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنزل الله علي أمانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون \[ الأنفال : 33 \] فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار . ونحو منه قوله - تعالى - : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين \[ الأنبياء : 107 \] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : أنا أمان لأصحابي . قيل : من البدع ، وقيل : من الاختلاف ، والفتن . قال بعضهم : الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الأمان الأعظم ما عاش ، وما دامت سنته باقية فهو باق ، فإذا أميتت سنته فانتظر البلاء ، والفتن ، وقال الله - تعالى - : إن الله وملائكته يصلون على النبي \[ الأحزاب : 56 \] الآية أبان الله تعالى فضل نبيه - صلى الله عليه وسلم - بصلاته عليه ، ثم بصلاة ملائكته ، وأمر عباده بالصلاة ، والتسليم عليه ، وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض العلماء تأول قوله - صلى الله عليه وسلم - : وجعلت قرة عيني في الصلاة على هذا ، أي في صلاة الله - تعالى - علي ، وملائكته ، وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة ، والصلاة من الملائكة \[ استغفار \] ، ومنا له دعاء ، ومن الله - عز وجل - رحمة ، وقيل : يصلون : يباركون ، وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - حين علم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ، والبركة ، وسنذكر حكم الصلاة عليه ، وذكر بعض المتكلمين في تفسير حروف كهيعص \[ مريم : 1 \] أن الكاف من \[ كاف \] ، أي كفاية الله - تعالى - لنبيه ، قال - تعالى - : أليس الله بكاف عبده \[ الزمر : 36 \] الآية ، والهاء هدايته له ، قال : ويهديك صراطا مستقيما \[ الفتح : 2 \] هو الذي أيدك بنصره \[ الأنفال : 62 \] ، والعين عصمته له قال : والله يعصمك من الناس \[ المائدة : 67 \] ، والصاد : صلاته عليه ، قال : \[ الأحزاب : 56 \] وقال تعالى : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه \[ التحريم : 4 \] الآية ، مولاه أي ، وليه ، وصالح المؤمنين : قيل : الأنبياء ، وقيل : الملائكة ، وقيل : ، وقيل : - رضي الله عنهم - ، وقيل المؤمنين على ظاهره . الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي إِعْلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - خَلْقَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ ، وَوِلَايَتِهِ لَهُ ، وَرَفْعِهِ الْعَذَابَ بِسَبَبِهِ مَكَّةُ وَعُمَرُ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الملك والعبودية • الكريم • الشكور والفرق بين الشكر والحمد

فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته - صلى الله عليه وسلم

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته - صلى الله عليه وسلم». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته - صلى الله عليه وسلم - إنا فتحنا لك فتحا مبينا \[ الفتح : 1 \] إلى قوله - تعالى - : يد الله فوق أيديهم . \[ الفتح : 10 \] تضمنت هذه الآيات من فضله والثناء عليه ، وكريم منزلته عند الله - تعالى - ، ونعمته لديه ما يقصر الوصف عن الانتهاء إليه ، فابتدأ - جل جلاله - بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين بظهوره ، وغلبته على عدوه ، وعلو كلمته ، وشريعته ، وأنه مغفور له ، غير مؤاخذ بما كان وما يكون . قال بعضهم : أراد غفران ما وقع ، وما لم يقع ، أي أنك مغفور لك ، وقال مكي : جعل الله المنة سببا للمغفرة ، وكل من عنده ، لا إله غيره ، منة بعد منة ، وفضلا بعد فضل . ثم قال : ويتم نعمته عليك : قيل بخضوع من تكبر عليك ، وقيل : بفتح ، والطائف ، وقيل : يرفع ذكرك في الدنيا ، وينصرك ، ويغفر لك ، فأعلمه بتمام نعمته عليه بخضوع متكبري عدوه له ، وفتح أهم البلاد عليه ، وأحبها له ، ورفع ذكره ، وهدايته الصراط المستقيم المبلغ الجنة ، والسعادة ، ونصره النصر العزيز ، ومنته على أمته المؤمنين بالسكينة ، والطمأنينة التي جعلها في قلوبهم ، وبشارتهم بما لهم عند ربهم بعد ، وفوزهم العظيم ، والعفو عنهم ، والستر لذنوبهم ، وهلاك عدوه في الدنيا ، والآخرة ، ولعنهم ، وبعدهم من رحمته ، وسوء منقلبهم . ثم قال : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا \[ الفتح : 8 \] الآية شاهدا لهم بالتوحيد ، ومبشرا لأمته بالثواب ، وقيل : بالمغفرة ، ومنذرا عدوه بالعذاب ، وقيل : محذرا من الضلالات ليؤمنوا بالله ثم به - صلى الله عليه وسلم - من سبقت له من الله الحسنى ، ويعزروه ، ويجلونه ، وقيل : ينصرونه ، وقيل : يبالغون في تعظيمه ، ويوقروه ، أي يعظمونه ، وقرأه بعضهم : يعززوه \[ الفتح : 9 \] بزاءين : من العز ، والأكثر ، والأظهر أن هذا في حق - صلى الله عليه وسلم - . ثم قال : &; ويسبحوه &; \[ الفتح : 8 \] ، فهذا راجع إلى الله - تعالى - . قال ابن جمع للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة نعم مختلفة ، من الفتح المبين ، وهو من أعلام الإجابة ، والمغفرة ، وهي من أعلام المحبة ، وتمام النعمة ، وهي من أعلام الاختصاص ، والهداية ، وهي من أعلام الولاية ، فالمغفرة تبرئة من العيوب ، وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة ، والهداية ، وهي الدعوة إلى المشاهدة . : من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه ، وأقسم بحياته ، ونسخ به شرائع غيره ، وعرج به إلى المحل الأعلى ، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر ، وما طغى ، وبعثه إلى الأحمر ، والأسود وأحل له ، ولأمته الغنائم وجعله شفيعا مشفعا ، وسيد ولد آدم وقرن ذكره بذكره ، ورضاه برضاه ، وجعله أحد ركني التوحيد . ثم قال : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله \[ الفتح : 10 \] يعني بيعة الرضوان أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك . \[ الفتح : 10 \] ، يريد عند البيعة . قيل : قوة الله ، وقيل : ثوابه ، وقيل : منته ، وقيل : عقده ، وهذه استعارة ، وتجنيس في الكلام ، وتأكيد لعقد بيعتهم إياه ، وعظم شأن المبايع - صلى الله عليه وسلم - . وقد يكون من هذا قوله - تعالى - : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى \[ الأنفال : 17 \] ، وإن كان الأول في باب المجاز ، وهذا في باب الحقيقة ، لأن القاتل ، والرامي بالحقيقة هو الله ، وهو خالق فعله ، ورميه ، وقدرته عليه ، ومسببه ، ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت ، حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينيه ، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة ، وقد قيل في هذه الأخرى إنها على المجاز العربي ، ومقابلة اللفظ ، ومناسبته ، أي ما قتلتموهم ، وما رميتهم أنت إذ رميت وجوههم بالحصباء ، والتراب ، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع ، أي أن منفعة الرمي كانت من فعل الله ، فهو القاتل ، والرامي بالمعنى ، وأنت بالاسم . الْفَصْلُ التَّاسِعُ : جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ

الفصل العاشر : فيما أظهره الله - تعالى - في كتابه العزيز

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل العاشر : فيما أظهره الله - تعالى - في كتابه العزيز». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

من كرامته عليه ، ومكانته عنده ، وما خصه الله به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه : من ذلك ما قصه - تعالى - في قصة الإسراء في سورة : سبحان والنجم ، وما انطوت عليه القصة من عظيم منزلته ، وقربه ، ومشاهدته ما شاهد من العجائب ، ومن ذلك عصمته من الناس بقوله - تعالى - : والله يعصمك من الناس \[ المائدة : 67 \] . وقوله - تعالى - : وإذ يمكر بك الذين كفروا \[ الأنفال : 30 \] الآية وقوله : إلا تنصروه فقد نصره الله \[ التوبة : 40 \] ، وما رفع الله به عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحريهم لهلكه ، وخلوصهم نجيا في أمره ، والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم ، وذهولهم عن طلبه في الغار ، وما ظهر في ذلك من آيات ، ونزول السكينة عليه ، وقصة سراقة بن مالك حسب ما ذكره أهل الحديث والسير في قصة الغار ، وحديث الهجرة ، ومنه قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر \[ الكوثر : 1 - 2 \] أعلمه الله تعالى بما أعطاه ، والكوثر حوضه ، وقيل : نهر في الجنة ، وقيل : الخير الكثير ، وقيل : الشفاعة ، وقيل : المعجزات الكثيرة ، وقيل : النبوة ، وقيل : المعرفة . ثم أجاب عنه عدوه ، ورد عليه قوله ، فقال - تعالى - : إن شانئك هو الأبتر \[ الكوثر : 3 \] أي عدوك ، ومبغضك ، والأبتر : الحقير الذليل ، أو المفرد الوحيد ، أو الذي لا خير فيه ، وقال - تعالى - : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم \[ الحجر : 7 8 \] . وقيل : السبع المثاني السور الطوال الأول ، والقرآن العظيم : أم القرآن وقيل : السبع المثاني : أم القرآن والقرآن العظيم : سائره ، وقيل : السبع المثاني : ما في القرآن من أمر ، ونهي ، وبشرى ، وإنذار ، وضرب مثل ، وإعداد نعم ، وآتيناك نبأ القرآن العظيم ، وقيل : سميت أم القرآن مثاني لأنها تثنى في كل ركعة ، وقيل : بل الله - تعالى - استثناها - صلى الله عليه وسلم - ، وذخرها له دون الأنبياء ، وسمي القرآن مثاني : لأن القصص تثنى فيه ، وقيل : السبع المثاني : أكرمناك بسبع كرامات : الهدي ، والنبوة ، والرحمة ، والشفاعة ، والولاية ، والتعظيم ، والسكينة . وأنزلنا إليك الذكر \[ النحل : 44 \] الآية ، وقال : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا \[ سبأ : 28 \] ، وقال - تعالى - : قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي \[ الأعراف : 158 \] الآية قال القاضي - رحمه الله - فهذه من خصائصه ، وقال - تعالى - : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم \[ إبراهيم : 4 \] ، فخصهم بقومهم ، وبعث - صلى الله عليه وسلم - إلى الخلق كافة ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : بعثت إلى الأحمر ، والأسود النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم \[ الأحزاب : 6 \] . قال أهل التفسير : أولى بالمؤمنين من أنفسهم : أي ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماض عليهم كما يمضي حكم السيد على عبده ، وقيل : اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس ، وأزواجه أمهاتهم ، أي هن في الحرمة كالأمهات ، حرم نكاحهن عليهم بعده ، تكرمة له ، وخصوصية ، ولأنهن له أزواج في الآخرة ، وقد قرئ : وهو أب لهم ، ولا يقرأ به الآن لمخالفته المصحف ، وقال الله - تعالى - : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة \[ النساء : 113 \] الآية . قيل : فضله العظيم بالنبوة ، وقيل : بما سبق له في الأزل ، وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم يحتملها - عليه السلام - . الْفَصْلُ الْعَاشِرُ : فِيمَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الملك والعبودية • النور في الأسماء المحمدية

الفصل السابع عشر : الشفقة ، والرأفة

يتسع هذا المحور في نص القاضي عياض ليضم الشواهد التي جمعها تحت عنوان «الفصل السابع عشر : الشفقة ، والرأفة». ومن داخل هذا الترتيب تتضح صلة الفصل بالبناء الأكبر للمقال؛ فالمادة لا تقف عند الخبر المفرد، وإنما تضعه بجوار غيره حتى تتكون دلالة الرسالة من مجموع النصوص والأخبار وآثارها في الفهم. وفيما يأتي تُعرض المادة في سياق متصل، مع الحفاظ على نسبتها إلى «الشفا» وصياغتها المصدرية حيث يكون نقل اللفظ هو الأوفى بالدلالة.

الشفقة ، والرأفة ، والرحمة لجميع الخلق فقد قال الله تعالى فيه : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم \[ التوبة : 128 \] . وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين \[ الأنبياء : 107 \] . قال بعضهم : من فضله - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه ، فقال : بالمؤمنين رءوف رحيم وحكى نحوه الإمام أبو بكر بن فورك . \[ حدثنا الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الخشبي بقراءتي عليه ، حدثنا إمام الحرمين أبو علي الطبري عبد الغافر الفارسي أبو أحمد الجلودي إبراهيم بن سفيان مسلم بن الحجاج أبو الطاهر ، أنبأنا يونس \] عن ابن شهاب ، قال : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة ، وذكر حنينا ، قال : فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفوان بن أمية مائة من النعم ، ثم مائة ، ثم مائة سعيد بن المسيب صفوان والله لقد أعطاني ما أعطاني ، وإنه لأبغض الخلق إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي وروي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا ، فأعطاه ، ثم قال : أحسنت إليك ؟ . قال الأعرابي : لا ولا أجملت . فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام ، ودخل منزله ، وأرسل إليه ، وزاده شيئا ، ثم قال : \[ أحسنت إليك ؟ \] قال : نعم ، فجزاك الله من أهل ، وعشيرة خيرا . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنك قلت ما قلت ، وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك . قال : نعم . فلما كان الغد أو العشي جاء ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا الأعرابي قال ما قال ، فزدناه فزعم أنه رضي ، أكذلك ؟ قال : نعم ، فجزاك الله من أهل ، وعشيرة خيرا . قال - صلى الله عليه وسلم - : مثلي ، ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه ، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحبها : خلوا بيني ، وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم ، وأعلم ، فتوجه لها بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض ، فردها حتى جاءت ، واستناخت ، وشد عليها رحلها ، واستوى عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار وروي عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم ، وأنا سليم الصدر ومن شفقته على أمته - صلى الله عليه وسلم - تخفيفه ، وتسهيله عليهم ، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم ، كقوله - عليه الصلاة ، والسلام - : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء . وخبر صلاة الليل . ونهيهم عن الوصال . وكراهته دخول الكعبة لئلا تتعنت أمته . ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم ، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته . ومن شفقته - صلى الله عليه وسلم - أن دعا ربه ، وعاهده ، فقال : أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ، ورحمة ، وصلاة ، وطهورا ، وقربة فقربه بها إليك يوم القيامة . ولما كذبه قومه أتاه - عليه السلام - ، فقال له : إن الله - تعالى - قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداه ملك الجبال ، وسلم عليه ، وقال : مرني بما شئت ، وإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، ولا يشرك به شيئا ابن المنكدر - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله - تعالى - أمر السماء ، والأرض ، والجبال أن تطيعك . فقال : أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم قالت ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا أنها ركبت بعيرا ، وفيه صعوبة ، فجعلت تردده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عليك بالرفق الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ : الشَّفَقَةُ ، وَالرَّأْفَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ مصادر مرتبطة للتحرير/الإثراء: • الرؤوف والرحيم • القهار وقهر الأنوار • الغفار

تتكامل هذه الفصول في نتيجة واحدة: أن مقام الرسول في القرآن ليس امتيازًا منفصلًا عن وظيفة الرسالة، بل إن شرف المقام يظهر في كمال أداء الوظيفة وفي العناية الإلهية التي تصحبها. فالشهادة مرتبطة بالتبليغ، والرحمة مرتبطة بالهداية، والتثبيت مرتبط بثقل المواجهة، ورفع الذكر مرتبط ببقاء أثر الرسالة في الأمة والعالم. وبذلك يقدّم القاضي عياض صورة لا تنحصر في المديح، وإنما تجعل الثناء القرآني مدخلًا إلى معرفة معنى الرسول نفسه: إنسان مصطفى يحمل الوحي، ويقيم الحجة، ويدعو، ويعلّم، ويرحم، ويثبت أمام التكذيب، وتبقى رسالته حاضرة بما أودعه الله فيها من نور وبيان.

المصدر: القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى».